مع الأطفال في الماضي

بواسطة abdallah2023

استكمالاً للسلسلة التي كنا قد بدأناها في مقالات سابقة حول أعمال الأستاذ أيوب حسين، حين تناولنا كتابه «حولي.. قرية الأنس والتسلي»، نواصل اليوم هذه الرحلة مع قلمه الذي وثّق جوانب عديدة من تراثنا الكويتي، لنقف عند إصدار آخر من إصداراته بعنوان «مع الأطفال في الماضي»، وهو كتاب لا يقل عمقاً عن سابقه، فهو يغوص هذه المرة في عالم الطفولة الكويتية بكل ما فيها من براءة وابتكار وذكاء فطري، في محاولة لتوثيق ما عاشه من ذكريات، وأن يترك للأجيال القادمة مرآة يرون فيها كيف كان أجدادهم يلعبون ويفرحون ويكبرون.

فهذا الكتاب، الصادر ضمن سلسلة «من تراثنا الشعبي الكويتي»، يحمل طابعاً مختلفاً عن سابقه، فهو لا يوثّق مكاناً بقدر ما يوثّق زمناً وحالة إنسانية عابرة للجغرافيا، ألا وهي طفولة الكويتيين قبل أن تجتاح المدنية ألعابهم البسيطة وتستبدلها بالشاشات والأجهزة. ويفتتح الأستاذ أيوب كتابه بمقدمة تنبض بصدق نادر، إذ يذكر أن لكل شعب تراثه الخاص الذي ينفرد به، وأن ما دفعه لتأليف هذا العمل هو خشيته من أن تندثر تلك الألعاب والعادات، كما اندثر كثير منها فعلاً، فلا يبقى له ولمن عاصرها إلا الذكريات. ويشرح لنا بلطف كيف كان يُطلق على الأطفال في اللهجة المحلية اسم «صبيان» أو «يهال»، في تفصيل صغير يكشف عن دقة المؤلف وحرصه على توثيق حتى المفردات التي قد تبدو هامشية لغيره. ولعل أبرز ما يميز هذا الكتاب أنه لا يكتفي بالوصف العابر، بل يذهب إلى عمق التفاصيل لكل لعبة، حتى يُخيّل للقارئ أنه يقرأ دليلاً تطبيقياً كتبه من عاش تلك اللحظات بجسده لا بذاكرته فقط. وقد قسّم المؤلف الكتاب إلى ثلاثة فصول رئيسية: الألعاب الشعبية بقسميها، ألعاب الصبيان وألعاب البنات، ثم المناسبات وأغانيها وأهازيجها المرتبطة برمضان والأعياد، وأخيراً مبتكرات الصبيان وأعمالهم اليدوية وهواياتهم المحببة. وما يمنح الكتاب قيمته الحقيقية هو ذلك الشرح التفصيلي الدقيق الذي يقدمه الفنان أيوب حسين لكل لعبة، كما في لعبة «المقصي» التي يشرح أدواتها بدقة هندسية، وهي قطعة خشب مدببة الطرفين لا يتجاوز طولها خمسة عشر سنتيمتراً، و«المطاعة»، وهي عصا غليظة طولها ستون سنتيمتراً تقريباً، و«الكور»، وهي حفرة أفقية على طول المقصي، و«الشيش»، وهو خط يُرسم على الأرض على مقربة من الكور. ثم يصف كيف يضرب اللاعب طرف المقصي المرتفع بالمطاعة ليرميه في الهواء كالطائر المنطلق، فيحاول أعضاء الفريق الثاني التقاطه، وإن سقط على الأرض حاول أقربهم إصابته برمية قوية من موضعه إلى المطاعة الموضوعة فوق الكور. أما لعبة «إطوير الهندي»، فتقوم على منح كل لاعب اسماً وهمياً كـ«مركب» أو «بوم منور» أو «طيارة»، ثم يمر الرئيس خلف الصف مردداً عند كل يد «چلي چلو»، حتى يضع شيئاً صغيراً في يد أحدهم دون أن يشعر به الآخرون، وهي لعبة تكشف كيف كان الأطفال يبتكرون تسلية كاملة من الترقب والتخمين وحده. وهناك أيضاً لعبة «صَبَّتْ»، وهي لعبة هادئة تعتمد على الذكاء والتفكير، شبيهة بالدامة ولكنها بدائية ومبسطة، يرسم فيها لاعبان مربعاً مقسماً إلى أربعة مربعات، ثم يختار كل منهما ثلاث قطع من الحصى يضعها على خط المربع القريب منه لتبدأ اللعبة. وهكذا يبقى كتاب «مع الأطفال في الماضي» شاهداً على زمن كانت الطفولة فيه تصنع فرحتها بيديها، من حصى وعصي وأهازيج، دون حاجة إلى شاشات وأجهزة.

وقد استمتعت فعلاً بقراءة هذا الكتاب النادر، الذي أعادني عقوداً طويلة إلى الوراء، وأيقظ في ذاكرتي الكثير من ذكريات الطفولة، خصوصاً لعبة «المقصي» التي كانت لعبتي المفضلة. وأعتقد أن هذه اللعبة كانت معروفة أيضاً في مجتمعات أخرى، وخصوصاً في الهند، حيث توجد لعبة شبيهة بها، وهو أمر يستحق البحث لمعرفة أصول هذه الألعاب ومدى تأثرها بالتواصل بين الشعوب. وباختصار، لدينا تراث شعبي غني يستحق المزيد من البحث والتوثيق والنشر، حتى لا تضيع تفاصيله مع رحيل الأجيال التي عاصرته. ورحم الله الفنان الكبير أيوب حسين، الذي دوّن جانباً مهماً من تاريخنا بلوحات ورسومات غنية بالمحتوى، وكتب حاكت الأيام الأولى من أعمارنا، وحفظت لنا صوراً من ماضينا الجميل، لتبقى حاضرة في ذاكرة الأجيال القادمة… وتسلمون.

0 تعليقات

Leave a comment

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More