ليست كل الأوطان التي تتألم فقيرة في تاريخها، فبعضها كان يوماً من أغنى بلاد الأرض وأكثرها عمراناً، ثم دارت عليه الأيام حتى أصبح أبناؤه يبحثون عن الأمان خارج حدوده. ولعل اليمن من أكثر الأوطان العربية التي تختصر هذه المفارقة المؤلمة؛ بلد عرف المجد والرخاء، ثم عرف الهجرة والشتات، وكأن قدره أن يظل يتنقل بين ذاكرة النعيم ومرارة المحن. ففي سورة سبأ يحدثنا القرآن الكريم عن قوم أنعم الله عليهم بجنتين عن يمين وشمال، وعن أرض طيبة ورزق وفير، فقال تعالى «لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ»، وكان سد مأرب العظيم شاهداً على حضارة ازدهرت بالزراعة والعمران، حتى جاء سيل العرم، وتبدلت الجنتان، وتحول الرخاء إلى محنة، كما قال تعالى «فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ»، وتروي كتب التراث حكايات عن انهيار السد والهجرات المرتبطة به، حتى شاع المثل العربي «تفرقوا أيدي سبأ»، وانتشرت قبائل يمنية في الحجاز ونجد والشام والعراق، وأسهمت في بناء مجتمعات وممالك عربية، ومرت القرون، وتغيرت الممالك والدول، ولكن اليمن ظل يحمل تناقضاً عجيباً؛ شعب نراه خارج وطنه مسالماً، صبوراً، أميناً في عمله، يسعى وراء رزقه بكرامة، فإذا عدنا إلى أخبار وطنه وجدنا الصراعات والانقسامات والحروب التي لا تكاد تنتهي، وكم من يمني عرفناه في الكويت والخليج، يعمل بصمت ويعيش بين الناس بمحبة واحترام، وأنا لا أتحدث عن اليمن من خلال كتب التاريخ أو نشرات الأخبار وحدها، فقد أتيحت لي فرصة زيارة هذا البلد، حين افتتحنا في العاصمة صنعاء، في يوليو 2010، مجمع المرحوم عبدالله عبداللطيف العثمان لرعاية الأيتام والأسر الفقيرة، وضم المجمع مسجداً ومراكز لتأهيل الأيتام والمرأة والطفل وتحفيظ القرآن الكريم، وقد تشرفت بالمشاركة في افتتاحه بحضور مسؤولين من الكويت واليمن، في مناسبة لا تزال حاضرة في ذاكرتي، وأذكر وجوه الأطفال وفرحتهم وهم يقدمون الأناشيد، والمحبة الصادقة التي أحاطنا بها أهل اليمن، وقد قلت في كلمتي مخاطباً إياهم: «فتحتم لنا قلوبكم، وأنتم شيمتكم الكرم وسماتكم مكارم الأخلاق». ولا أنسى حين دخلنا السوق القديم في صنعاء برفقة الأخ العزيز خالد الحسيني، فاستوقفنا رجل طاعن في السن، وقال لنا: «أهلاً بكم في اليمن السعيد، ولكن هل رأيتم ما هو سعيد؟» ثم مضى في طريقه دون أن ينتظر منا جواباً! لم أكن أدرك يومها كم كانت تلك الكلمات تختصر وجع بلد بأكمله، وكم ستزداد مرارتها مع مرور السنين. وبعد أكثر من ستة عشر عاماً، أتساءل: أين أصبح أولئك الأطفال الذين أنشدوا فرحاً يوم الافتتاح؟ هل أكملوا تعليمهم؟ هل وجدوا عملاً؟ أم أن الحروب التي عصفت باليمن بددت أحلام بعضهم؟ لقد كنا نبني مركزاً ليكون نافذة أمل لأطفال فقدوا آباءهم، ولم نكن نتخيل أن اليمن نفسه سيصبح بعد سنوات في حاجة إلى من يرمم جراحه. ومع استمرار الصراع، وما شهدته المنطقة من اعتداءات حوثية على المملكة العربية السعودية وتهديد للملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، يبرز سؤال مؤلم: إلى متى تظل هذه الأرض الجميلة مسرحاً للصراعات؟ وإلى متى يدفع الأبرياء ثمن حروب لم يختاروها؟ إن أمن المملكة جزء لا يتجزأ من أمن الخليج والجزيرة العربية، ونحن في الكويت نقف مع أشقائنا في المملكة قلباً وقالباً، ومن حق أهلها أن يعيشوا آمنين، كما أن الشعب اليمني يستحق الحياة الكريمة بعيداً عن الحروب والجوع والنزوح، فاليمن أكبر من الجماعات المسلحة والصراعات السياسية، وأغنى بتاريخ لا يجوز اختزاله في أخبار الصواريخ، ووسط هذه الصورة القاتمة، ثمة ما يبعث على الأمل؛ فمجمع العثمان، ولله الحمد، لم يتعرض للدمار أو السرقة، وفق ما ينقله إلينا القائمون عليه، ولا يزال ينتظر أن تنتهي الحرب ليعود إلى أداء رسالته الخيرية كاملة. ولعل أكثر ما أثر في نفسي قولهم: «اليمنيون يختلفون على كل شيء، إلا على حب الكويت»، وهي عبارة تختصر محبة لا تصنعها الخطب السياسية، بل المواقف الإنسانية التي تبقى في الذاكرة مهما تبدلت الظروف، فقد تهدم الحروب العمران، لكنها لا تستطيع دائماً أن تهدم ما بنته المحبة في القلوب. لقد تفرق أهل سبأ قديماً بفعل سيل العرم، وها هم أبناء اليمن يتفرقون مجدداً بفعل سيول من الدماء والدموع تصنعها أيدي البشر، حفظ الله المملكة العربية السعودية والكويت ودول الخليج من كل سوء، وأعاد إلى اليمن أمنه واستقراره، وإلى أهله السكينة والأمل. فقد تفرق أهل سبأ في الأرض، ولكنهم ما زالوا يبحثون عن وطن يجمعهم بسلام. وتسلمون.
