مجلة العربي.. من يحفظها؟!

بواسطة abdallah2023

عبرت مجلة «العربي» الوطن العربي من خليجه إلى محيطه، متخطيةً الحدود والثقافات واللهجات، ودخلت بيوت العرب من دون جواز سفر ولا تأشيرة، حتى أصبحت المجلة المحببة إلى أجيال متعاقبة من القراء. وشخصياً، عاصرت «العربي» منذ ستينيات القرن الماضي، حين كان من النادر أن يخلو بيت في الكويت من عدد من أعدادها الشهرية، كان العدد يُقرأ ثم ينتقل من يد إلى أخرى، وكثير من الأسر كانت تجمع أعداد السنة وتجلدها، لتأخذ مكانها في مكتبة المنزل إلى جوار الكتب والموسوعات. ولمن لا يعلم، فقد صدر العدد الأول من مجلة «العربي» في الكويت في ديسمبر عام 1958، وكان أول رئيس لتحريرها العالم والمفكر المصري الدكتور أحمد زكي. ومنذ بدايتها لم تُطرح بوصفها مجلة كويتية تخاطب القارئ الكويتي وحده، بل بوصفها مشروعاً ثقافياً عربياً تموله الكويت وتفتحه أمام الكتّاب والمفكرين والقراء من مختلف أرجاء الوطن العربي. ولم تكن «العربي» مجرد مجلة أدبية تنشر المقالات والقصائد، بل كانت نافذة يتعرف من خلالها العربي على وطنه الكبير. فاستطلاعاتها المصورة كانت تأخذ القارئ إلى مدن وقرى وآثار، ربما لم يسمع بها من قبل، وتعرّفه على حياة الناس وعاداتهم وعمارتهم وفنونهم. وفي زمن لم يكن فيه إنترنت ولا فضائيات ولا هواتف ذكية، كانت صورها الملونة رحلة شهرية ينتظرها القارئ بشغف. وقد أعادتني إلى الحديث عن المجلة حكاية بدأت من مكان آخر تماماً، إذ تقوم المعمارية دلال الحشاش حالياً بجمع وتحرير مادة كتاب توثيقي عن جامع العثمان في النقرة، اعتماداً على أرشيف الأسرة، الذي يضم قرابة مليون ونصف المليون صفحة ووثيقة ومخطط، إلى جانب بحث تاريخي توثيقي واسع، يشمل شهادات من عاصروا تاريخ الجامع، والرجوع إلى أرشيف وزارة الإعلام والمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب. وخلال بحثها عثرت على عددين قديمين من مجلة «العربي» تضمنا استطلاعين مصورين عن جامع العثمان. الأول صدر في سبتمبر عام 1964، واحتوى على صور ومعلومات مهمة عن الجامع ومنارته وقبته وأبوابه وزخارفه وعمارته الداخلية. وقد تكرّم رئيس تحرير المجلة الأستاذ إبراهيم المليفي بإهدائي نسخة أصلية من ذلك العدد. أما العدد الثاني، وهو العدد 225 الصادر في أغسطس عام 1977، فكانت المفاجأة أجمل؛ إذ تصدرت صورة جامع العثمان غلاف المجلة، واحتوى العدد على مادة مصورة عن الجامع وتفاصيله المعمارية. وبعد بحث استطعت، والحمد لله، الحصول على نسخة أصلية منه عبر موقع «إيباي»، وأنا أقلب صفحات هذين العددين، لم أكن أرى صور جامع العثمان وحده، بل كنت أرى جانباً من تاريخ الكويت محفوظاً بالصورة والكلمة. تفاصيل ربما ضاعت من الذاكرة، وأخرى تغيرت مع الزمن، لكنها بقيت حية داخل صفحات مجلة صدرت قبل أكثر من نصف قرن. وهنا حضرت المفارقة، ومعها السؤال: إذا كانت «العربي» قد حفظت ذاكرتنا طوال هذه العقود، فمن يحفظها اليوم؟ فالمجلة التي كانت تصل كل شهر إلى بيوت القراء في مختلف أنحاء الوطن العربي غابت نسختها الورقية عن الأكشاك منذ فترة، وإن استمر حضورها إلكترونياً. وقد أعلن المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب أن تعطّل التوزيع الورقي مرتبط باستكمال بعض الإجراءات القانونية وتطوير مسار التوزيع. لكن هل يُعقل أن تتعطل مجلة بهذا التاريخ، وهذه القيمة الثقافية والتوثيقية، بسبب عقد توزيع أو إجراءات إدارية؟ خصوصاً أن جهازها التحريري ما زال قائماً، ولها رئيس تحرير وكتّاب وأرشيف وموقع إلكتروني. لا أقلل من أهمية النشر الإلكتروني، فهو ضرورة فرضها العصر، لكنه ينبغي ألا يكون بديلاً كاملاً عن النسخة الورقية، ولا سيما لمجلة مثل «العربي»، فالعدد الورقي ليس مجرد وسيلة لقراءة مقال، بل وثيقة تبقى في المكتبات والبيوت، وقد يعود إليها باحث بعد خمسين أو ستين عاماً، كما عدنا نحن إلى عددي 1964 و1977 لتوثيق تاريخ جامع العثمان. ولو كانت تلك المواد قد نُشرت في موقع إلكتروني قديم ثم تعطّل أو تغيّر، فهل كنا سنجدها اليوم؟ المواقع تتغير، والروابط تختفي، والمنصات تغلق، أما الورق، إذا حُفظ جيداً، فيبقى شاهداً لا يحتاج إلى كلمة مرور ولا إلى تحديث البرنامج! لقد كانت «العربي» واحدة من أنجح رسائل الكويت الثقافية إلى العالم العربي، وأسهمت في تقديم صورة لدولة صغيرة في مساحتها، كبيرة في طموحها ودورها الثقافي. ولذلك، فإن استمرارها ليس شأناً إدارياً يخص جهة حكومية، ولا مسألة حساب أرباح وخسائر أو عدد النسخ المبيعة، بل هو حفاظ على جزء من تاريخ الكويت وقوتها الناعمة. ولا أظن أن بلداً أنشأ مجلة بهذا الحجم عام 1958، حين كانت إمكاناته محدودة، يعجز اليوم، بإمكاناته الكبيرة وتقنياته الحديثة، عن طباعتها وإيصالها إلى قرائها، المطلوب ليس إعادة «العربي» كما كانت فقط، بل تطويرها وتسويقها وربط نسختها الورقية بمنصاتها الرقمية، حتى تصل إلى جيل جديد يقرأ بطريقة مختلفة، لكنه لا يقل فضولاً عن الأجيال السابقة. شكراً للأستاذ إبراهيم المليفي على هديته النادرة، ولكل من حفظ أرشيف «العربي»، لكن الشكر وحده لا يكفي، فالمجلة التي حفظت ذاكرتنا تستحق منا أن نحفظ حاضرها، ونضمن مستقبلها، ونعيدها إلى مكانها الطبيعي في مكتبات الكويت وبيوت العرب. وتسلمون.

0 تعليقات

اترك رد

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More

اكتشاف المزيد من مدونة المهندس عدنان العثمان

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة