لكل منطقة في البرتغال حكايتها، لكن الغارف تختلف عن الجميع، فهي من الأماكن القليلة التي يكشف اسمها وحده فصلاً كاملاً من التاريخ، ولأنني استمتعت كثيراً بإجازتي بين مدنها وسواحلها، رأيت أن أشارك القارئ الكريم بعضاً مما رأيت، لا بعين السائح فقط، بل بفضول الباحث عن الحكاية التي تختبئ خلف المكان، فكلمة «الغارف» ليست سوى تحريف للكلمة العربية «الغرب»، إذ كان المسلمون يطلقون على هذه المنطقة اسم الأندلس الغربية أو الغرب الإسلامي، لأنها كانت أقصى غرب دولتهم في الأندلس، وما زال البرتغاليون حتى اليوم ينطقونها Algarve محتفظين بأداة التعريف العربية «ال»، وكأن اللغة أبت أن تنسى أصحابها الأوائل، وحين وصل المسلمون إلى هذه الأرض عام 711م وجدوا مناخاً يشبه بلادهم؛ دافئاً وجافاً، يختلف عن برودة ورطوبة شمال البرتغال، فاستقروا فيها وزرعوا وبنوا، لكنهم لم يبدأوا من الصفر، فقد سبقهم الفينيقيون الذين أسسوا مراكز تجارية على هذا الساحل، ثم جاء الرومان فشيّدوا الطرق وطوّروا صيد الأسماك، وتبعهم القوط الغربيون، أما المسلمون فكانوا الحلقة الأكثر تأثيراً والأطول أثراً، إذ جلبوا معهم اللوز والبرتقال والتين والرمان والأرز، وأقاموا شبكات ري متطورة، لا يزال بعضها يعمل حتى يومنا هذا، غير أن أعظم ما تركه المسلمون لم يكن زراعياً فحسب، بل كان ثقافياً أيضاً، فعلى بعد نحو سبعة عشر كيلومتراً من الساحل تقع اليوم مدينة صغيرة هادئة تُعرف باسم سيلفيش، وكانت في القرن العاشر الميلادي تُعرف باسم شِلب، إحدى أهم الحواضر العلمية والأدبية في غرب الأندلس، حتى عُدت من أبرز المراكز الثقافية بعد قرطبة وإشبيلية، ومنها خرج الشاعر الشهير ابن عمار، الذي ارتبط اسمه بتاريخ الأدب الأندلسي، وله حكاية تستحق مقالاً مستقلاً لاحقاً، وفي عام 1249م دخل الملك أفونسو الثالث مدينة فارو، آخر معاقل المسلمين في الغارف، لتنتهي بذلك خمسة قرون من الحكم الإسلامي في المنطقة. لكن ما انتهى سياسياً لم ينتهِ حضارياً، فالكثير من الكلمات البرتغالية اليوم ذات أصل عربي، ولا تزال شاهدة على ذلك العصر، ومن أطرفها الفعل البرتغالي mourejar، الذي يعني حرفياً «يعمل كالمسلم»، ويُستخدم حتى اليوم للدلالة على الجد والاجتهاد والمثابرة غير العادية. ولعل المفارقة الجميلة أن مدينة لاغوس الساحلية الصغيرة، بأزقتها المرصوفة بالحجارة ومينائها الهادئ، كانت نقطة الانطلاق لتحول آخر في تاريخ البرتغال، فمن مينائها أعدّ الملك جواو الأول أسطوله قبل التوجه إلى فتح سبتة عام 1415م، وفيها أقام الأمير هنري الملاح، الذي أدار منها رحلاته الاستكشافية نحو السواحل الافريقية، ومن هذه المدينة انطلقت السفن التي دشنت عصر الاكتشافات الجغرافية، مستخدمة الشراع اللاتيني ذا الأصل العربي لعبور المحيطات المجهولة، وحين تمشي اليوم في شوارع لاغوس القديمة، بين المقاهي المطلة على البحر والأزقة الحجرية الضيقة، أو تقف فوق صخور بونتا دا بيدادي المطلة على المحيط الأطلسي، يصعب ألا تتخيل تلك السفن وهي تغادر الميناء قبل أكثر من ستة قرون، حاملة معها أحلام البحارة الذين رسموا لاحقاً خرائط عالم جديد، ولعل ما لفت انتباهي أيضاً أن البرتغال اتخذت موقفاً واضحاً في حماية سواحلها، فمعظم شواطئ الغارف عامة ومفتوحة للجميع، ولا يسمح بتحويلها إلى شواطئ خاصة مغلقة كما هو شائع في بعض الدول، قد تجد مطعماً صغيراً أو مقهى أو خدمة لتأجير المظلات والكراسي، لكن البحر نفسه يبقى حقاً عاماً لا يُحجب عن أحد، ولا يقتصر الاهتمام على الشاطئ وحده، بل يمتد إلى البيئة المحيطة به، فلا يُسمح بالسير فوق الكثبان الرملية أو الأعشاب الواقعة بين الطرق والشواطئ، حمايةً للنباتات وأعشاش الطيور البحرية، ولذلك أُنشئت ممرات خشبية مرتفعة عن الأرض تتيح للزائر الوصول إلى البحر دون الإضرار بالطبيعة، إنها فكرة بسيطة، لكنها تعكس احترام الإنسان للمكان الذي يستمتع به، ولعل هذا أحد الأسباب التي جعلت الغارف خلال السنوات الأخيرة تتحول إلى واحدة من أكثر مناطق أوروبا جذباً للعيش، وليس للسياحة فقط، فقد أصبحت مقصداً للمتقاعدين الأوروبيين، وللعاملين عن بُعد، وللباحثين عن جودة الحياة، حيث يجتمع البحر والمناخ المعتدل والأمان والخدمات في مكان واحد، ولهذا يغادر الزائر الغارف وهو يحمل معه أكثر من صور الشواطئ والكهوف والمنحدرات؛ يحمل حكاية أرضٍ تعاقبت عليها الحضارات، وبقيت فيها آثار العرب حاضرة في الاسم واللغة والزراعة، وحتى في تفاصيل الحياة اليومية، وكأن التاريخ يهمس لنا بأن بعض الأمم قد ترحل، لكن بصمتها تبقى حية، لا في الكتب وحدها، بل في أسماء المدن، ورائحة زهر البرتقال، وذاكرة المكان. فالغارف صفحة من تاريخنا نعود إليها كلما بحثنا عن أثر العرب في اقصى غرب أوروبا. وتسلمون.
