الحمد لله وبعد أن وضعت الحرب أوزارها وهدأت الأمور، أخذت الأسرة بإجازة صيفية، وكان للبرتغال نصيب منها، ومن حسن الحظ أن وجودنا في لشبونة صادف معرضها السنوي للكتاب، وطبعاً جلّ ما في المعرض من كتب لمؤلفين محليين أو مترجمة إلى البرتغالية إن كانت لكُتاب عالميين، ولكن بالنسبة لي وكوني ما أعرف لغتهم فإن ما شدني هو مكان المعرض وطريقته والأنشطة اللي فيه، ففي هذه الأيام تعيش لشبونة أجمل أوقاتها. فبينما كانت شوارع المدينة تحتفل بمهرجان القديس أنطونيو، إحدى أشهر المناسبات الشعبية في البرتغال، كان معرض الكتاب السنوي يواصل استقبال زواره في حديقة إدواردو السابع، الممتدة على التل المطل على المدينة، والتي ينتهي بصر الناظر فيها عند النصب الشهير وساحة ماركيز دي بومبال، يعني المعرض بالهواء الطلق ومرتب وحلو، وفي المساء كان عندهم احتفال خاص بأهل لشبونة، والاحتفال أعتقد ديني، غير أن ما لفت انتباهي هو قدرة البرتغاليين على الجمع بين الفرح والثقافة في وقت واحد، ففي مساء واحد تستطيع أن ترى آلاف الناس يحتفلون في الشوارع بالأغاني والرقص والمواكب الشعبية، ثم تجد في اليوم التالي طوابير من القراء تتجول بين أجنحة الكتب بحثاً عن رواية أو ديوان شعر أو كتاب تاريخ. بينما في كثير من البلدان يقال إن الكتاب في تراجع، لكنك عندما تزور معرض لشبونة للكتاب تشعر أن العلاقة بين البرتغاليين والقراءة ما زالت حية ونابضة، فالعائلات تحضر بأطفالها، والطلاب يحملون أكياس الكتب، وكبار السن يجلسون في المقاهي المجاورة يتصفحون ما اشتروا، وكأن ما بينهم وبين الكتاب أشبه بميثاق قديم لا يحتاج إلى تجديد، وليس ذلك بغريب على بلد أنجب أسماء أدبية كبيرة، كالشاعر لويس دي كامويش، صاحب الملحمة الوطنية «اللوسياد»، والروائي الحائز جائزة نوبل جوزيه ساراماغو صاحب رواية العمى الشهيرة، الذي استطاع أن يجعل الأدب البرتغالي معروفاً في أنحاء العالم. فالبرتغال بلد صغير في المساحة وعدد السكان، لكنه كبير في أثره الثقافي، وللبرتغاليين فولكلور خاص، يطلقون عليه الفادو يشابه الفلامنكو اللي عند الأسبان ولكنه أكثر عمقاً وحزناً، وهذه المرة قررت حضور إحدى أمسيات الفادو علشان أعرف السالفة وبحثت عنه، وألخصه للقارئ الكريم بهذه السطور، فذلك الغناء البرتغالي الحزين الجميل، هو الوجه الآخر للأدب، فالكلمات فيه قصائد، والألحان حكايات، والمغنون يروون مشاعر الفقد والحنين والحب والبحر، وحينما تجلس في أحد بيوت الفادو القديمة في أحياء لشبونة العتيقة تشعر أن الأغنية ليست مجرد أداء فني، بل صفحة من تاريخ شعب عاش بين أمواج الأطلسي ورحلات البحارة وأحلام المهاجرين، ورغم ما يبدو في الفادو من حزن وكما أسلفت وكوني ما أعرف لغتهم ولكني استشعرت ذلك من ادائهم، فإن البرتغاليين في حياتهم اليومية شعب هادئ ومتفائل ومهذب، وأكثر ما يعجبني فيهم احترامهم للنظام وللآخرين، ويتجلى ذلك في طوابير الانتظار، وفي حركة المرور، وفي تعامل الموظف مع المراجع، وحتى في الحدائق العامة التي يحافظ عليها الجميع وكأنها جزء من منازلهم. وقد لا تكون البرتغال من كبرى دول أوروبا اقتصاداً أو نفوذاً ولا هي مركز تسوق مثل لندن وباريس، لكنها نجحت في بناء مجتمع يشعر فيه الزائر بالراحة والاحترام. وربما يكمن السر في توازن جميل بين الماضي والحاضر؛ فهم يحتفلون بقديسهم الشعبي، ويستمعون إلى الفادو الذي ورثوه عن أجدادهم، ويقرأون الكتب في حدائق مدينتهم، وفي الوقت نفسه يعيشون حياة عصرية منظمة وهادئة.
وأنا أغادر الحديقة، تذكرتُ أن ساراماغو نفسه لم يكن يملك كتباً في طفولته، وأن أول علاقته بالقراءة بدأت في مكتبة عامة في لشبونة، لا في بيت ولا في مدرسة، وربما لهذا فهم هذا الرجل ما لا يفهمه كثيرون: بأن الكتاب ليس امتيازاً لمن يملكه، بل هو ما يبقى حين لا يبقى شيء آخر.
وتسلمون.
