التعليم عن بُعد

بواسطة abdallah2023

لم يكن أحد يتوقع أن تكون جائحة كورونا هي الدافع الذي يُعيد رسم ملامح التعليم في منطقتنا، إلا أن ما فرضته الأزمة من إغلاق للمدارس وتعليق للدراسة الحضورية أجبرنا جميعاً على خوض تجربة التعليم عن بُعد بشكل مفاجئ وغير مُخطَّط له. وعلى الرغم من صعوبة تلك المرحلة، فإنها كشفت عن إمكانات حقيقية لم نكن ندرك أننا نمتلكها. وتجدر الإشارة بكل تقدير إلى الجهود الكبيرة التي بذلتها وزارة التربية خلال تلك الفترة، إذ أقدمت على تسجيل جميع الدروس ورفعها على منصتها الإلكترونية، وأنشأت حسابات لجميع الطلاب والطالبات، وأعدّت مقاطع تعليمية لمختلف المراحل الدراسية، وهذا المجهود القيّم يستحق الشكر والثناء، وقد كان حجر الأساس لمنظومة التعليم الرقمي، غير أن ما تحقق، رغم أهميته، لم يكن سوى الخطوة الأولى في مسيرة طويلة، فالتعليم الإلكتروني الحقيقي لا يعني مجرد تسجيل المحاضرات ورفعها على منصة رقمية، بل يستوجب بناء منظومة تفاعلية متكاملة تضمن مشاركة الطالب وانخراطه الفعلي في العملية التعليمية، لا مجرد مشاهدته لفيديوهات غير تفاعلية، والظروف الراهنة تُتيح لنا فرصة ذهبية لإعادة التفكير في بنية التعليم، والانتقال من نموذج يعتمد كليًّا على الحضور الجسدي إلى نموذج هجين مدروس، وإحدى الأفكار التي تستحق الدراسة الجادة هي تخصيص يوم دراسي واحد في الأسبوع للتعلم عن بُعد بصورة دائمة لا استثنائية، مما يُحقق تخفيف الازدحام في المدارس، ويُعوّد الطلاب تدريجيًّا على الانضباط الذاتي، ويجعل التعليم الإلكتروني جزءًا أصيلًا من المنظومة التعليمية. ولم يعد هذا النظام مجرد حل مؤقت فرضته الظروف، بل تحوّل إلى نموذج تعليمي متكامل أثبت نجاحه في العديد من التجارب حول العالم، فعلى صعيد التجارب الخليجية، كان لدولة الإمارات حضور لافت عبر منصة «مدرسة»، وهي منصة تعليمية إلكترونية باللغة العربية تضم أكثر من خمسة آلاف درس تفاعلي قصير، وكانت هذه المنصة قد صُمِّمت بهدف توفير تعليم نوعي وترسيخ أسس التعلم الذاتي المنهجي، دون أن يتناقض ذلك مع دور المؤسسة التعليمية التقليدية، وقد أثبتت فاعليتها الواضحة في رفع قابلية الاستيعاب لدى الطلبة. أما في المملكة العربية السعودية، فقد أطلقت منصة «مدرستي» التي وُلدت من قلب جائحة كورونا، ونجحت في محاكاة اليوم الدراسي الطبيعي بأسلوب رقمي مبتكر؛ إذ يبدأ الطلاب يومهم بالتسجيل في المنصة في الميعاد المعتاد، ثم أداء النشيد الوطني والتمارين الصباحية، قبل الاطلاع على الجدول الدراسي والدخول إلى الفصل الافتراضي مع المعلم. فضلًا عن ذلك، أتاحت المنصة للطلاب التواصل مع معلميهم وأقرانهم وإجراء المناقشات، وأداء الاختبارات وحل الواجبات، والاطلاع على نتائجهم وملاحظات المعلمين، في بيئة رقمية تحاكي تجربة الحضور الفعلي بأمانة عالية. وفي دولة قطر، أطلقت وزارة التربية منصة «قطر للمستقبل»، وحرصت على تجهيز المعلمين وتدريبهم وتوزيع أجهزة لوحية ذكية على الطلاب، إلى جانب بث دروس تعليمية عبر يوتيوب وقناتين تلفزيونيتين مخصصتين للتعليم، ومن أبرز ما أنتجته هذه التجربة إبداعيًّا، مبادرة «واضح» التي يقودها أحد المعلمين القطريين الذي ابتكر أسلوبًا فريدًا لتدريس الرياضيات من خلال أناشيد مُلحَّنة، تُسهّل الحفظ وتُحبّب المادة إلى أذهان الطلاب، في دليل على أن الإبداع البشري يظل القوة المحركة خلف أي أداة تقنية. وعلى الصعيد الكويتي، أبدع الأستاذ عبدالعزيز فيحان في تقديم دروس تعليمية عبر الألعاب الإلكترونية وتقنيات الذكاء الاصطناعي، مما يجعل التعلم تجربةً ممتعة وجذابة بعيدة عن النمط التقليدي الممل، هذه الطاقات الشبابية الواعدة كنزٌ حقيقي ينبغي توظيفه في خدمة المنظومة التعليمية الرسمية، من خلال شراكات استراتيجية تُدمج هذه الأفكار الإبداعية ضمن المناهج الدراسية. فالتعليم الذي يُشرك الطالب عبر الألعاب والأناشيد والتحديات الرقمية يُحقق نتائج أعمق وأكثر ديمومة من التلقين الأحادي الاتجاه. فعند تأمل هذه التجارب يتضح أن نجاح التعليم عن بُعد لا يرتبط بالتقنية وحدها، بل بطريقة إدارتها تربويًا. والدول التي تعاملت معه كمنظومة متكاملة استطاعت تحويله من تحدٍّ طارئ إلى فرصة حقيقية لتطوير التعليم وجعله أكثر مرونةً واستدامة.

وتسلمون.

0 تعليقات

اترك رد

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More

اكتشاف المزيد من مدونة المهندس عدنان العثمان

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading