ندخل الأسبوع الرابع من عمر هذه الحرب والعدوان على أوطاننا، ومع قناعتي الراسخة بأن الحروب لا تجلب إلا الدمار والخسائر، فإن هذه الحرب كشفت لنا وللعالم الكثير من الحقائق، وأثبتت صحة الاستراتيجيات، وصلابة الشعوب، ومتانة البناء الخليجي، فمن هم خارج الخليج، ربما يصعب عليهم فهم ثقافة هذه الشعوب، وطبيعة الروابط التي تجمعها، وعمق تماسك المنظومة الأسرية بينها، نعم، علاقة هي الأقرب إلى العائلة الواحدة، وهم أهل كرم ومروءة وفزعة عند الشدائد، يجمعهم تاريخ مشترك، ومصير واحد، ومستقبل لا ينفصل، فهذه الملحمة التي يسجلها التاريخ من تعاضد وتعاون أبهرت العالم، فها هي الشقيقة الكبرى تفتح موانئها ومطاراتها لأشقائها في الخليج، وتؤمّن طرق قوافل التموين من خلال موانئها، وما يحتاج أتكلم عن التكامل العسكري بين دول مجلس التعاون، فهو واضح للعيان، فقد بدا التكامل في منظومة عسكرية، استطاعت حماية شعوبها ومقدراتها بكل كفاءة واقتدار، وأثبتت للعالم أنها قادرة على حماية وطنها، ولا يمكن أن يغيب عنا التوافق السياسي، فقد برزت الحكمة الخليجية بأوضح صورها، فعلى الرغم من قدرة دول المجلس على الردع، فإنها لم تنجر إلى حرب ليست طرفاً بها، بل سادت حكمة قياداتها السياسية، ونظرتها الثاقبة للمستقبل، فحفظت البلاد والعباد، وأدارت الأزمة بعقل الدول لا بانفعال اللحظة، وأما السياسات المالية الحصيفة لدول مجلس التعاون، فقد جعلت لها مرونة كبيرة لتحمّل وتجاوز تبعات الأزمة، وأعتقد أن ما بعد هذه الحرب سوف نرى تكاملاً أكبر بين منظومة مجلس التعاون الخليجي، سواء من خلال بناء شبكات طرق وأنابيب نقل النفط والغاز بديلة لمضيق هرمز فيما بينها، أو عبر مواقف سياسية واقتصادية جديدة تخدم مصالحها المشتركة، ومن المهم أيضاً ألا يقتصر هذا التكامل على مستوى الحكومات فقط، بل يمتد ليشمل المواطن الخليجي نفسه، من خلال تعزيز الهوية الخليجية المشتركة، وتسهيل اكثر لانتقال الأفراد ورؤوس الأموال، وخلق فرص عمل وتجارة عابرة للحدود، بحيث يشعر المواطن أن الخليج ليس مجرد دول متجاورة، بل مساحة واحدة للعيش والعمل والنمو، كما أن الاستثمار في الشباب الخليجي، عبر برامج تعليمية موحدة وتبادل أكاديمي ومهني، سيشكل حجر الأساس لأي مشروع تكاملي حقيقي، لأن بناء الإنسان يسبق بناء الأنظمة، وهو الضامن لاستدامة أي نجاح مستقبلي.
ونحن، كمواطنين خليجيين، نأمل أن تكون هذه الأزمة دافعًا لمزيد من الخطوات نحو التكامل والاندماج بين دول المجلس، لا في الاقتصاد والدفاع فحسب، بل في التعليم، والبنية التحتية، والطاقة، والغذاء، والتشريعات، وحتى في تسهيل أكثر لحياة المواطن الخليجي أينما حلّ داخل هذا البيت الكبير، فالمهم ليس فقط أن ننجو من الأزمة، بل أن نتعلم منها، وأن نحوّلها إلى فرصة تاريخية لترسيخ الخليج الواحد، لا كشعار عاطفي، بل كمشروع واقعي متكامل، يليق بتاريخنا، ويحمي حاضرنا، ويصنع مستقبل أجيالنا
وتسلمون.
