في هذا الشهر الفضيل، ارتأيت أن يكون حديثنا عن نوع من العطاء لا ينتهي أثره بانتهاء رمضان، بل يمتد ويتجذر ويثمر من بعدنا، ويستحضرني هنا مشهد من فجر التاريخ، حين أقبل أبرهة الحبشي بجيشه وفيله نحو مكة المكرمة عازماً على هدم الكعبة، فخرج إليه عبدالمطلب سيد قريش، لا مستعطفاً ولا مفاوضاً على البيت الحرام، بل مطالباً بإبله التي أخذها الجيش، فاستغرب أبرهة من رجل يأتيه يسأل عن إبله ويصمت عن بيته المقدس، فأجابه عبدالمطلب بجملة حُفرت في التاريخ: «أما الإبل فأنا ربها، وأما الكعبة فلها رب يحميها»، وبقيت الكعبة شامخة كما أراد الله، هذه الجملة طالما وجدت نفسي أرددها في عملنا الوقفي حين تعترضنا عقبة أو تتشابك أمامنا المسالك، فأقول: للوقف رب يحميه، فيرتاح القلب وتنحل أعقد المشكلات، غير أن هذا الإيقان لا يُسقط عنا المسؤولية، بل يعيد صياغة السؤال الحقيقي من جديد: كيف يمكن للمرء أن يخدم الإسلام؟ وعلى الرغم من أن الإسلام غني بالله عن الناس، لكن تقع على الإنسان مسؤولية في دائرته، وأول هذه الدوائر هي النفس: بإصلاحها وتطوير مهاراتها وإتقان تخصصها، فالمؤمن المتمكن من عمله والقوي في مجاله يخدم دينه من خلال تميزه الإنساني والمهني، لأن الإتقان في حد ذاته موقف وشهادة، ومن النفس ينتقل المرء ببره وأداء واجباته تجاه دائرته الأقرب، ألا وهي أسرته، وهنا يستحضرني الحديث النبوي الشريف: «إنك أن تذر ورثتك أغنياء خيرٌ من أن تذرهم عالةً يتكففون الناس»، فخدمة الإسلام لا تنفصل عن بناء بيت صالح مستقر، والعمل على إغناء الورثة هو صيانة لكرامة الإنسان وإسهام في بناء مجتمع متماسك، لئلا يخرج للأمة جيل منكسر يستجدي حاجته، بل جيل عزيز يملك زمام أمره ويخدم دينه من موقع القوة، بيد أن الصلاح الذاتي والأمان الأسري يظلان بذرتين كامنتين ما لم يمتدا في فضاء النفع العام، فالمؤمن كالغيث، أينما وقع نفع، وهنا تتبدى خدمة الإسلام في تطويع المهارات الفردية والقدرات الخاصة عند كل فرد، فليس المطلوب أن يسلك الجميع طريقاً واحداً، بل أن يُحسن كل امرئ فيما أُوتي، فالدين يقوم على عمارة الأرض بالعدل والإحسان، وكل جهد صادق يسهم في تحسين حياة الناس هو في جوهره خدمة لقيم الإسلام، والفارق الحقيقي يظهر حين ينتقل هذا الجهد من طاقة فردية محدودة بعمر صاحبها، إلى بناء مؤسسي منظم يضمن استمرار الأثر بعد رحيله، فالعطاء الذي يتوقف بغياب صاحبه عطاء ناقص، أما الذي يُؤسَّس بوعي وبُعد نظر ليستمر ويتمدد، فذاك هو النوع الأعمق والأبقى، والكويت تزخر بنماذج لأشخاص فهموا هذا المعنى جيداً، فجعلوا من ثرواتهم ومهاراتهم وأوقاتهم رافداً دائماً للخير، لا يتوقف بتوقفهم، أناس آمنوا بأن خدمة الإسلام ليست حكراً على عالم دين أو رجل وقف، بل هي مسؤولية كل من أُعطي قدرة في أي ميدان، وأدرك أن هذه القدرة أمانة لا امتياز، وهي في نهاية المطاف دعوة لكل منا ليفتش في قدراته ومواهبه: كيف أخدم الإسلام من موقعي؟ وكيف أجعل من وجودي سبباً في نماء هذه الأرض ورفعتها؟ فخدمة الدين تبدأ بكلمة طيبة، وتمر بأسرة متعففة، وتبلغ أثرها الأعمق ببناء مؤسسي يحمل الخير للأجيال من بعدنا، وكما قال ابن دريد: «إنما المرء حديث بعده، فكن حديثاً حسناً لمن وعى»، ليبقى الأثر ممتداً، والعمل متصلاً، والذكر طيباً في الدنيا والآخرة.
