حاولت من خلال المقالات السابقة التطرق إلى مستوى المناهج المتواضعة مع تسليط الضوء على انتشار موجة خطيرة من الأمية بين أبناء هذا الجيل، والخطير بها أنها متزامنة متوطنة مع تدرجهم التعليمي إلى أن نجد دكتور أو مهندس كويتي لا يجيد القراءة والكتابة باللغة العربية، وهذا الأمر أضحى مقبولاً أمام من نراهم يتخرجون من الثانوية العامة وهم بالواقع بالمستوى الثامن، ويجد بعض هؤلاء ضالتهم وطبعاً بوجود بعض الجامعات والتي همها حصاد الأموال أولاً وأخيراً، وللتاريخ فإن رعيلنا الأول ذو النظرة الثاقبة تجاه مستقبل هذا الوطن ارتأى إلغاء كلمة التعليم من مسمى الوزارة فأضحت “وزارة التربية” بدلاً من “وزارة التربية والتعليم” وذلك إيماناً منهم بأن التعليم لا ينفع دون تربية، فدور المدرسة التربوي دور محوري ضاعت بوصلته نتاج التخبط الإداري والفني والذي عصف على ذلك الجهاز منذ الغزو الغاشم، فإن أردنا إصلاحاً فعلينا بأسس التربية الصالحة من خلال علم ومنهج تربوي، ولا تُترك الساحة للجمعيات الدينية والليبرالية وغيرها تأخذ هذا الدور مع شبه غياب لدور الأسرة والتي أخذت فيه المربية الآسيوية حيزاً كبيراً بتربية الأطفال، ونتاج ذلك نراه واضحاً في الشارع وبشكل شبه يومي، هذا ضارب ذاك لأنه خزه وهذا يطعن هذا لأنه أخذ موقفه، والحبل على الجرار كما يقال، فجيل الستينيات أضحى من كبار السن وجيل السبعينيات بأواسط العمر وهم من كان لهم حظ بالدراسة والتربية، والذين يعطون وبشكل عام نوع من التوازن وإذا ما نتلاحق عمرنا مع هذا الجيل فبعد عقدين من الزمان سوف تفقد الكويت هويتها الجميلة، ونصبح مجتمع أكثر علماً وأقل ثقافة وأكثر شراسة وأقل طيبة وإن شاء الله أكون غلطان، المهم برجع إلى عنوان مقالنا والذي يرتبط بهذه المقدمة والتي لا تخلو من الإحباط وإلى درجة من اليأس، ولكن وكما يقال “الدنيا ما زال فيها خير” والكويت ما زالت تعج بالناس الطيبين وأهل تربية وأخلاق وعلينا أن نسلط الضوء عليهم ليكونوا قدوة حسنة للآخرين، وخلوني أقول لكم هذه القصة: قبل شهر ابني عثمان كان عنده موعد بأحد الأبراج في الديرة وسفط سيارته بمواقف البرج، المهم عند خروجه وجد سيارته مدعومة والدعامية الأمامية طايحة بالأرض طبعاً أي واحد راح يعصب ويزعل، وفُوجئ بشخص يقترب منه ويعتذر ويقول له “إسمح لي أنا اللي تسببت بالحادث” وأخذ يعتذر ويقول له “صار لي ساعتين ناطرك وما بغيت تطلع وتشوف سيارتك مدعومة بدون إعتذار”، وأصر عليه أن يوصله وتواعد معاه ثاني يوم وراح معاه المخفر وطبعا المحقق ما كان موجود ورجعوا ثاني يوم إلى أن خلصت المعاملة، ويقولي ابني “هذا الانسان بقمه الأخلاق والتواضع وكان ممكن يترك رقمه بدل لا ينتظرني ساعتين”، ورديت عليه “شفت يا ابني ما زال الخير في الكويت وما زال الطيبين كثر” وسألته “منو صاحبك الخلوق هذا؟” فأجاب “الأستاذ عبدالرحمن علي الحساوي”، وهو بالعقد الرابع من العمر ومني إلى هذا الانسان الخلوق كل الشكر والتقدير ليس فقط كونك قُمت بما أملاه ضميرك عليك ولكن لتأكيدك بأن الخير والأخلاق والتربية ما زال لها جذور راسخة بهذا الوطن وأكرر “بارك الله فيك وكثر الله من أمثالك”.
وتسلمون.
